هذه قصتي ، وما أجملها

زكي و ريم

عضو هيجان موثق
إنضم
3 أغسطس 2026
المشاركات
121
مستوى التفاعل
25
النقاط
48
الإقامة
تركيا
هايكوين
1,421🪙
الجنس
رجل
الحالة الاجتماعية
متزوج
لما أقبل المساء على المدى
وأمال الغصن أنفاسَ الغصونِ
كنت أمشي والندى فوق الثرى
والنجوم البيض خلفَ الياسمينِ
فإذا بالباب قد أرخى على
روضةٍ سترًا من الليل السكونِ
وإذا صوتٌ من الناي انثنى
مثل شكوى عاشقٍ بين الحنينِ
ثم أبصرت التي أضنى الهوى
مهجتي من قبل أن أدري من تكونِ
أقبلت تمشي ، وفي أذيالها
نفحةٌ من روض فردوسٍ ثمينِ
والدجى من حولها متكئٌ
فوق كتف الليل في ثوبٍ أمينِ
قلت: يا قلبي تمهّل إنما
هذه رؤيا من الوهم المصونِ
قال قلبي : بل هي الدنيا التي
كنت أرجوها وراء الأربعينِ
قلت: من أنتِ ؟ فأطرقت ولم
تنطق إلا بابتسامٍ مستكينِ
ثم قالت : عابرٌ في ليلنا
فدعِ السؤال ، ودع عنك الظنونِ
قلت : إن كنتِ عابرةً فما
بالقلوب العابرينَ تستكينُ ؟
كيف مررتِ على روحي وما
تركَت عيناكِ فيها من حصونِ ؟
فتبسمت وقالت : ربما
تستبيح العين قلبَ المستكينِ
قلت : بل أنتِ التي إن أقبلتْ
أشرقت في الروح شمسُ اليقينِ
قالت : الشعراء قومٌ مولعون
أن يجعلوا الوهمَ ثوبَ الياسمينِ
قلت : إن الشعر عندي شاهدٌ
أنني ما كنت من أهل الظنونِ
إن عينيكِ إذا ما أبصرتا
أيقظتا في القلب عهدَ العاشقينِ
فاستحالت ليلةٌ من مطرٍ
إلى فصلٍ من الأحلامِ حينِ
وسقينا الصمت من كأس الهوى
ورأينا البدر فوق النخلتينِ
لم يكن بيني وبينها سوى
نظرةٍ تكفي لآلاف السنينِ
ثم ولت ، والظلام احتضنها
وتركتِ الروح بين التلويحينِ
قلت للريح: أما أبصرتِها ؟
قالت الريح : ابتعدت خلفَ الحصونِ
قلت للأشجار : هل مرت هنا؟
فأجاب الغصن : في عطر اليقينِ
قلت للأقمار : أين التي أرى
كلما أغمضت عيني في عيوني ؟
فاستدار البدر في صمته وقال :
قد مضت خلف ستار الغافلينِ
فمضيت أطلبها في كل دربٍ
بين أسوارٍ وريحانٍ وطينِ
في مجالس قرطبة أسألهم
عن غزالٍ من بنات الحسنِ حينِ
قال قوم : إنها كانت هنا
ثم ولت نحو وادي النخلتينِ
قلت: هل تركتْ حديثا؟ قالوا : لا
غير بيتٍ في سجل العاشقينِ
فقرأته ، فإذا مكتوبُه :
ربما نلتقي إذا شاء الحنينِ
فحفظت البيت دهرا في فمي
وصرت أرويه سرا كل حينِ
كلما هب النسيم من جهةٍ
قلت : لعل الريح تحملها إليَّ
كلما لاح الهلال على المدى
قلت : لعل البدر يعرف أينَ حينِ
حتى تبدلت ليالي غرناطة
وتعاقبنا عليها عامَ حينِ
وانطوى عهدٌ من العمر ولم
ينطفئ في القلب ذاك الياسمينِ
ثم في يومٍ من الأيام قد
كنت في سوقٍ قديمٍ للحوانيتِ
فإذا صوتٌ من خلفي قد بدا
مثل ذاك الناي في ليل السنينِ
التفتُّ ، فإذا عينا التي
سكنت روحي ، ولم تبرح مكينِ
قلت : أنتِ ؟ قالت : أما عرفتني ؟
قلت: وكيف أنسى عهودَ العاشقينِ ؟
قالت : قد طال الطريق بنا، فما
زال عهد القلب عندك؟ قلت : حينِ
قلت : ما غابَت ملامحكِ عني
لا ، ولا غابَت ليالي الياسمينِ
قالت : كنت أراك في كل مساء
في خيال البدر بين النخلتينِ
قلت : وأنا كنت ألقاكِ على
كل دربٍ ، كل بابٍ ، كل حينِ
قالت : أخشى أن يكون الحب قد
كان وهما في فؤاد العاشقينِ
قلت : لو كان خيالا ما بقى
بعد أعوامٍ كزهر الياسمينِ
إنما الحب الذي يبقى إذا
غاب جسمٌ ، فهو سرُّ الصادقينِ
فتبسمت ، وقالت : يا فتى
ما عرفت الحب إلا في السكونِ
قلت : وهل بعد الذي قد كان من
صمتِ عينيكِ كلامٌ نستبينُ ؟
قالت : يكفيني من الدنيا بأن
عدتَ بعد البعد تسأل عني
قلت : بل يكفيني من عمري إذا
قلتِ يوما : قد رضيتُ بأن أكونِ
ثم سرنا ، والربيع من حولنا
يستعيد اللون بعد السنينِ
والندى فوق المآذن قد بدا
مثل عقدٍ فوق جيدٍ من ثمينِ
والحمام الغض في أفيائه
ردّد الألحان فوق الدار حينِ
قلت : يا أندلس الحب الذي
كلما أحييته عاد الحنينِ
هذه قصتنا فاحفظي بها
سر قلبينا عن أعينِ الفضولِ
ليس كل الحب أن نلقى الهوى
بل بقاء العهد بعد المفترقينِ
قد رأينا العمر يمضي مسرعا
فاستبقناه بحبٍّ لا يخونِ
إن يكن في الأرض فردوسٌ لنا
فهو قلبٌ يجمع القلبينِ حينِ
فابتسمت ، ثم قالت : يا فتى
قد وجدتُ الآن معنى اليقينِ
قلت : ما أطلب من دنيا الهوى
غير أن تبقي قريبةً من حنيني
إن تباعدنا ، فقلبي منزلٌ
لكِ ، لا يطويه بعدٌ أو سنينِ
وإذا جاء المساء مرةً
فاذكري ليلةَ ذاك الياسمينِ
حيث كان المطر يحكي قصةً
عن غريبينِ التقيا بعد حينِ
فربما كان اللقاء الأول
وعدَ ربٍّ في خفاء الساكنينِ
وربما كان الفراق الذي
قد حفظ الحبَّ من موتٍ دفينِ
وربما كان الهوى أقدارنا
كتبته في اللوح أيدي العارفينِ
يا حبيبي ، إن يكن هذا الهوى
قدرا، فإني له من الراضينِ
كلما أقبلتِ عاد العمر لي
وازدهى في القلب عهدُ الياسمينِ
هذه قصتي ، وما أجملها
حين صارت في يديكِ خاتمَ الحنينِ
 
عودة
أعلى