ضحك على الموساد 11 سنة.. وختمها برسالة شكر!
القصة الكاملة لأحمد الهوان «جمعة الشوان»
الرجل الذي عاش بين عالمين، ودفع الموساد ثمن ثقته فيه من أسراره
القصة الكاملة لأحمد الهوان «جمعة الشوان»
الرجل الذي عاش بين عالمين، ودفع الموساد ثمن ثقته فيه من أسراره

تخيّل أن تتلقى ثقة جهاز مخابرات يُعدّ من الأخطر في العالم، وتُعطى جواز سفر دبلوماسيًا باسم مستعار، وتدخل قلب العاصمة التي تعدّ العدو الأول لبلدك، وأنت في الحقيقة تعمل ضدهم من اليوم الأول.
هذه ليست حبكة فيلم أكشن، بل هي ملخص قصة أحمد الهوان.
كنت تعرفه باسم «جمعة الشوان»
لو شاهدت مسلسل «دموع في عيون وقحة» فأنت تعرف الحكاية من الشاشة: عادل إمام في دور جمعة الشوان، والمشاهد التي بقيت في ذاكرة جيل كامل. لكن ما لا يعرفه كثيرون أن «جمعة الشوان» ليس شخصية خيالية، فخلفه رجل حقيقي اسمه أحمد محمد عبد الرحمن الهوان، عاش في السويس، ومات عام 2011 بعد أن روى سيرته بنفسه في كتاب وعدة برامج تلفزيونية.
وهنا السؤال الذي يجعل القصة مثيرة: أين ينتهي الواقع وأين يبدأ التأليف الدرامي؟ هذا ما سنحاول تتبعه في السطور القادمة.
الفصل الأول: ابن السويس
وُلد الهوان يوم 6 أغسطس 1939 في مدينة السويس، وكان الخامس بين سبعة إخوة في أسرة متوسطة الحال. نشأ بين المراكب والميناء، يساعد والده في تجارة المراكب، ويختلط بالسياح وأطقم السفن العابرة لقناة السويس. ومن هذا الاحتكاك اليومي تعلّم لغات عدة، أبرزها الإنجليزية والفرنسية واليونانية.
في التاسعة عشرة افتتح شركة صغيرة لخدمات السياحة، لكنها سرعان ما أُممت، وعُيّن فيها بمرتب زهيد لم يرضه، فاستقال واتجه لتنظيم رحلات ترفيهية لطواقم السفن الأجنبية، إلى جانب بيع الهدايا التذكارية والمواد الغذائية. كان شابًا ذكيًا، يجيد اللغات، ويعرف كيف يتعامل مع الأجانب. وهذه الصفات بالذات هي التي لفتت إليه الأنظار لاحقًا.
الفصل الثاني: النكسة تغيّر كل شيء
في عام 1967 قصف الطيران الإسرائيلي مدينة السويس، وأصيبت زوجته فاطمة في القصف وفقدت بصرها. ومثل آلاف الأسر، حمل أسرته وغادر المدينة إلى القاهرة.
في العاصمة ضاقت به الحال. حاول الاستمرار في بيع المواد التموينية فلم ينجح، وبدأ الدين والضيق يثقلان عليه. وهنا تذكّر صديقًا يونانيًا من أصحاب السفن كان قد أقرضه مبلغًا من المال، فقرر السفر إليه عام 1968 ليستعيده.
الفصل الثالث: رحلة المال التي قلبت الموازين
في اليونان لم يحصل على ماله، لكن صديقه عرض عليه ما هو أفضل في ظاهره: عملًا بمنصب إداري على إحدى السفن. وافق الهوان، فتنقّل بين عواصم أوروبية عدة، وتعرّف على أناس كثيرين.
وسط هؤلاء ظهر أشخاص يعملون تحت غطاء شركة للحديد والصلب، عرضوا عليه إدارة فرع لشركتهم في القاهرة، وأعطوه مبلغًا ضخمًا يُقال إنه 185 ألف جنيه. عرض سخي لرجل كان قبل أشهر يلهث وراء بضع جنيهات.
لكن الهوان لم يكن ساذجًا. مع تكرار الطلبات الغريبة والأسئلة التي لا تتعلق بالتجارة، بدأ الشك يتسلل إليه: هل هؤلاء تجار فعلًا؟
الفصل الرابع: «لن أتحدث إلا مع الرئيس»
قرر الهوان أن يبلّغ السلطات المصرية. وبحسب ما رواه، رفض أن يحكي لأحد غير الرئيس جمال عبد الناصر شخصيًا، وتمسك بذلك رغم العراقيل. وفي النهاية التقى به بحضور اللواء عبد السلام محجوب من المخابرات العامة، وتقرر بعد اللقاء أن من يتعامل معهم لهم علاقة بالموساد، وأنه سيستمر في العمل معهم، لكن تحت إشراف المخابرات المصرية.
في تلك اللحظة تحوّل من رجل تجارة مأزوم إلى عميل مزدوج، يخدم بلده من قلب العدو.
الفصل الخامس: وجه الطمّاع.. وقناع المخابرات
الخطة اعتمدت على فكرة بسيطة وعبقرية في آن: أن يقدّم الهوان للموساد الصورة التي يتوقعونها، رجل جشع، يحب المال والنساء. فبدا في نظرهم صيدًا ثمينًا، سهل الانقياد.
وخلال سنوات عمله:
- افتتح سلسلة متاجر للمواد الغذائية، وكلّفوه بجمع معلومات عن الأمن الغذائي المصري والسلع الناقصة، بل طلبوا منه تخزين بضائع بعينها لافتعال أزمة في الأسواق.
- تعلّم منهم طرق تتبع السفن التجارية ونقل أخبارها.
- بدأ يرسل لهم إحداثيات مضللة لمعدات حربية ومخازن طائرات، فكانت الطائرات الإسرائيلية تقصفها ثم تعلن نجاح العملية، وهي في الحقيقة تقصف أهدافًا لا قيمة لها.
- مُنح جواز سفر إسرائيليًا باسم «يعقوب منصور» بصفة سكرتير أول في السفارة الإسرائيلية في روما.
ويروي الهوان أنه سافر بهذا الجواز إلى عشرات الدول، وزار تل أبيب عشرات المرات، وتعرّف على شخصيات رفيعة هناك. ويذكر أن أبرز من أشرف عليه كان شمعون بيريز (الذي أصبح لاحقًا رئيسًا للوزراء ثم رئيسًا لإسرائيل)، وأن رئيسة الوزراء غولدا مائير كرّمته نظير «خدماته الجليلة».
الفصل السادس: «جوجو».. المفاجأة العاطفية
بين النساء اللواتي عمل معهن الهوان في أوروبا، كانت هناك فتاة تُعرف باسم «جوجو»، ارتبطت بالموساد. ووفق روايته، نشأت بينهما علاقة عاطفية، لكنه لم يتخلَّ عن مهمته، بل نجح في تجنيدها لصالح مصر.
بدأت جوجو تمدّ المخابرات المصرية بمعلومات عن الموساد والجيش الإسرائيلي، حتى صار وجودها في خطر. وانتهت قصتها بـاعتناقها الإسلام وعيشها بهوية سرية في القاهرة خوفًا من الاعتقال. وتذكر الروايات الشعبية أن الموساد حاول التخلص منها، وأن الهوان أنقذها وأحضرها إلى مصر، وهي تفاصيل لا تتوفر لها وثائق رسمية مستقلة.
الفصل السابع: «البطة السمينة»
قبيل حرب أكتوبر 1973 جاءت اللحظة الأخطر. استطاع الهوان الحصول على جهاز إرسال وتنصت نادر في ذلك الوقت، عُرف باسم «البطة السمينة». سلّمه إلى المخابرات المصرية، التي استخدمته في بث معلومات مضللة صاغتها هي بنفسها. وفي آخر رحلة له إلى تل أبيب زُوّد بجهاز أحدث وأصغر حجمًا.
وهنا أهم عنصر في القصة: الموساد كان يسلّح عميلًا يعمل ضده بأحدث أدواته، ويصدّق كل حرف يصله منه.
الفصل الثامن: الرسالة التي لا تُنسى
بعد أن أدّى الهوان مهمته، قررت المخابرات المصرية إنهاء اللعبة. وطُلب منه أن يرسل إلى الموساد رسالة مفادها أنهم يشكرونهم على حسن تعاونهم معهم طوال 11 عامًا عبر «رجلهم جمعة الشوان».
رسالة قصيرة، لكنها كانت صفعة في وجه جهاز كان يعتقد أنه يحرّك الجميع.
وساهمت معلوماته أيضًا في كشف الجاسوسين إبراهيم شاهين وانشراح موسى، كما سلّم للمخابرات كل الأموال التي حصل عليها من الموساد.
الفصل التاسع: من البطل إلى الإهمال
بعد انتهاء مهمته تقاعد الهوان بعد إصابته في ساقه ثم عينه. وعاش سنوات طويلة بعيدًا عن الأضواء، ثم خرج ليحكي قصته في كتاب «سنوات مع الموساد» وفي حلقات تلفزيونية.
وفي سنواته الأخيرة انتقد الحكومة التي رأى أنها لم تُوفّر له حياة كريمة ولا علاجًا مناسبًا، ورفض معونة اجتماعية قدّرها بـ70 جنيهًا، واعتبرها إهانة لتاريخه. وتوفي في 1 نوفمبر 2011 عن 74 عامًا بعد صراع مع المرض.
الحقيقة والدراما.. أين الحد الفاصل؟
القصة اتخذت أبعادًا درامية كبيرة بعد مسلسل «دموع في عيون وقحة» (1980) المأخوذ عن رواية الكاتب صالح مرسي. ولهذا تنتشر عنها نسخ كثيرة مبالغ فيها، بعضها يضيف أقوالًا وأحداثًا لا مصدر لها. ومن المهم التفرقة بين:
- ما هو شبه مؤكد: ميلاده ونشأته، دوره كعميل مزدوج، ارتباطه بالمخابرات المصرية، وفاته عام 2011.
- ما يرويه الهوان نفسه: عدد زياراته لتل أبيب، لقاءاته بشخصيات إسرائيلية كبرى، تفاصيل تجنيد «جوجو».
- ما يختلف حوله: توقيت إنهاء المهمة، فالجزيرة تذكر 1977 بينما تربطه روايات أخرى بما بعد حرب أكتوبر.
لماذا تبقى هذه القصة حيّة؟
لأنها تجمع كل عناصر الحكاية المثيرة: رجل بسيط تحت ضغط الحاجة، وشك في اللحظة المناسبة، وقرار بالإبلاغ بدل الانسياق، ثم لعبة مخابرات استمرت أكثر من عقد، انتهت بصفعة هادئة على لسان رسالة شكر.
وسواء حملنا كل تفصيلة من القصة على محمل الجد أم لا، يبقى أحمد الهوان واحدًا من أشهر الأسماء في ملفات الجاسوسية المصرية.
ما رأيكم؟ هل شاهدتم المسلسل؟ وهل تعتقدون أن كل ما رُوي صحيح أم أن الدراما أضافت الكثير؟ شاركونا آراءكم في الردود.
المصادر:
- موسوعة الجزيرة نت: «أحمد الهوان (جمعة الشوان).. جاسوس مصري اخترق الموساد 11 عامًا»
- الجزيرة: برنامج «زيارة خاصة»، حلقة «قصة جاسوس» (2002)
- جريدة الوطن: «الشوان.. أبو خميس الذي خدع الموساد الإسرائيلي 11 عامًا»
- مصراوي: «داليا المصرية وجمعة والهجان.. حكايات تجسس خلدتها السينما والدراما»